محاضرات حصرية في القانون الجبائي s3
محاضرات حصرية في دراسة القانون الجبائي ذ.خالد مبروكي
تقديم عام
القانون الجبائي فرع من فروع
القانون العام , تنسحب قواعده وضوابطه إلى مجموع العمليات
المالية المتعلقة بالموارد والمتحصلات ,والتي تستهدف تأمين
مداخيل للخزينة العمومية لغاية إشباع الحاجيات العمومية . ويعتبر هدا الصنف من
القوانين أحد تجليات ومظهر من مظاهر التحديث الذي عرفته الدولة مند القرن 17 ,
فقبل هدا التاريخ لم يكن من المستساغ الحديث عن قانون جبائي بمعناه الحديث , وإنما
عن جبايات وفروض مالية يتم اقتطاعها دون أن تكون خاضعة لسلطة القانون المطلقة ,
تارة عن طريق الإكراه والإجبار , وتارة أخرى مغلفة بمقولات تنهل من نظرية الحق
الإلهي مصوغاتها .
إقرار ضوابط وقواعد مؤطرة للنشاط المالي العمومي بكليته , وفي الجانب
المتعلق بالجبايات خاصة , ,إنجاز يحسب للدولة الحديثة التي قطعت
مع كل المقولات المؤسسة على سلطة القهر والإكراه المجسدة في شخص الحاكم , والسلطة
الدينية , وعوضتها بإقرار سمو القانون وسلطة الشعب , ولعل الشعار الذي رفع في
إنجلترا القرن 17 وأمريكا القرن 18 أحسن تجسيد للقطيعة التي حدثت على مستوى التصورات والبنيات الفكرية
المِؤسسة للعلاقة بين الحاكم والمحكوم ,
فثوار إنجلترا وأمريكا تشبثوا بشعار " لا ضريبة بدون تمثيل "no
taxation
without représentation " وجعلوا منه مفتاح العلاقة الجديد بين
الملكية والبرلمان [1] والدي
سيكرس انتصار البرلمان على الملكية , والتأسيس لما يصطلح على تسميته في الأدبيات
الدستورية بالملكية البرلمانية .
دراسة القانون الجبائي تطرح العديد من الصعوبات, تأتي من كونها
غير قابلة للحصر من حيث مجالها , فالقانون الجبائي إضافة إلى كون موضوعه الأساسي
ضمان موارد للخزينة العمومية , عبر تحديد الأوعية الضريبية والأسعار وطرق التحصيل
, يشكل نوعا من العلاقة تتميز بكونها علاقات سلطة , ولعل هدا ما جعل البعض يصف هدا
الصنف من القوانين بكونه قانون سلطة وبالتالي ونظرا لهده الصفة , فالقانون الجبائي
يطرح إشكالات لا يمكن اختزالها في الأبعاد التقنية والقانونية الصرفة , بل تتجاوز
مقتضياتها هدا المجال , لتصبح مؤطرة
لعلاقة بين إدارة ضريبية بامتيازاتها المعروفة
, وخاضع بمكانته المتواضعة في مواجهة هده الأخيرة , هدا إضافة إلى كون
القانون الجبائي له انعكاسات على ذمة الملزم , فالضريبة باقتطاعها لجزء من ثروة
الملزم تعتبر تدخلا في إحدى المجالات الخاصة للمواطن والمقصود ماله وأملاكه, وهده
الأخيرة تعتبر ذات قدسية بصريح المواثيق الدولية وأحكام الدستور , وهدا الأمر يجعل
من القانون الجبائي , قانونا دو أبعاد سياسية واجتماعية واقتصادية , وبالتالي
فصياغته وبناؤه تفرض الأخذ بعين الاعتبار كل هده الأبعاد .
القانون الجبائي خضع لتطور معلوم , وفرض بمفاهيمه , وبنيانه
, وأدواته, وتقنياته وجوده كصنف , إن لم
نقل متميز داخل أصناف القانون الأخرى , فعلى الأرجح قانون بخصوصيات وميزات لا نجد
لها نظيرا في باقي فروع القانون الأخرى . لدلك سنحاول من خلال هدا المدخل دراسة معظم النقاط والمحاور الرئيسة للقانون
الجبائي , وفق التوزيع التالي , في محور أول سنتناول الشق التاريخي
والمفاهيمي , وفي المحور الثاني الشق المتعلق بكل ما هو قانوني وسنخصصه
للقانون الجبائي المغربي من خلال البنية والمرتكزات , وفي محور ثالث
الجوانب التقنية والفنية نرصد فيه عمليات ربط الضريبة وتحديد الوعاء وطرق التحصيل
, وفي محور أخير المنازعات الناجمة عن الفرض الضريبي
المحور
الأول القانون الجبائي الأصول , النشأة , والمفاهيم
المؤسسة :
قانون الجباية دو أصول انكلوسكسونية , وتعتبر إنجلترا بلد
نشأة هدا الصنف من القوانين ,والمؤسسات المالية بمعناها العصري , وهدا لايعني غياب
أنظمة ضريبية في باقي أرض المعمور , فالتاريخ يشهد على أن الاقتطاعات الجبائية
عرفت قديما , لكن وجود الاقتطاع لا يستقيم دليلا للحديث عن قانون جبائي , فظهور
هدا الأخير مرتبط أساسا بإقرار - مبدأ القبول بالخضوع للضريبة – le
consentement
a l impôt وبمبدأ
- لا ضريبة بدون تمثيلية - no
taxation without représentation .
القانون الجبائي دو أصول إنجليزية
ارتبطت نشأة القانون الجبائي بانجلترا , حيث شكل موضوع فرض
اقتطاعات ضريبية على أموال الأفراد محور الصراع بين المؤسسة الملكية والبرلمان
الانجليزي , ومن المعلوم أن نفقات الملك باعتبارها متأتية من موارد الدومين الملكي
فهي لم تكن مثار جدال ولا صراع , فالملك له حرية التصرف في هده الأموال دون
استئذان أي جهة كانت, ولهذا لا نكاد نعثر
على نقاش حول مشروعية العمليات المالية التي كانت تتم على هدا المستوى . الحديث حول
مشروعية التصرف انطرحت في انجلترا لما دفعت الحاجة إلى فرض اقتطاعات لتمويل نفقات
استثنائية تهم بالأساس الحملات العسكرية ,اضطرت الملك شارل الأول ونظرا لعدم كفاية
مداخيل الدومين الملكي إلى فرض ضرائب على أموال الشعب الانجليزي دون المرور عبر
البرلمان, متحاشيا طلب إذن هدا الأخير , لما في دلك من مساس بالمنظور السائد انداك
والدي كان يعتبر كل تدخل لنواب وممثلي الأمة في الشؤون المالية وسلطة الملك مساس
بسيادة الملك التي كان يستمدها من الله - فهو ظل الله في الأرض- أمام هدا الواقع استمر الملك في الاقتطاع وعلى
الرغم من الرفض الدي ووجه به سواء من قبل البرلمان ودافعي الضرائب , وأمام عدم
الاستجابة لطلبات الملك المتزايدة , اضطر هدا الأخير إلى استدعاء البرلمان سنة
1628 واستئدانه بشأن فرض ضرائب جديدة , فقام البرلمان بمنح الملك شارل الإذن
بالقيام بعمليات الاقتطاع لكن بشرط قبول التوقيع على وثيقة الحقوق petition
of rights المكملة لوثيقة الماكناكارطاmagnacarta 1215 والتي أقرت بصفة مطلقة وواضحة اشتراط الترخيص والإدن لكل فرض
ضريبي من قبل البرلمان , الأمر لن يقف عند هدا الحد , بل تم استدعاء البرلمان للمرة
الثانية سنة 1629 وأعاد هدا الأخير التأكيد على مسألة الإذن , مجددا ترخيصه للملك بفرض ضرائب واقتطاعات جديدة
[2]
, وبهدا استطاع البرلمان ترسيخ أسبقية استئذان الملكية لممثلي الشعب حالة حاجة
الملكية إلى موارد تقتطع من أموال الشعب .
الملكية في إنجلترا كانت تعي جيدا أن المثول أمام البرلمان واستئذانه
يشأن الفروض الضريبية , يشكل تدخلا سافرا
في السيادة الملكية ,وانتقاصا من مكانتها وقدسيتها المستمدة من تبريرات دينية ,
تجعل من الملك صاحب السيادة المطلقة التي لا يقبل التنازل عنها أو اقتسامها مع
البرلمان , أمام هدا الوضع والدي كان ينبئ
باضمحلال السلطة الملكية , سيتحاشى الملك
ممثلي الشعب لمدة تصل لعشر سنوات إلى غاية سنة 1640 , وسيقوم بإجبار الشعب على
أداء الضرائب قسرا مستعملا كل أشكال السلطة والقهر , مما أدى إلى اندلاع الحرب
الأهلية سنة 1642 والتي دارت رحاها بين جيش الملك شارل المدعوم من قبل النبلاء
والكاثوليك والإقطاعيين , وجيش كرومويل المشكل من البرلمانيين والحرفيين وصغار
الملاك المعتنقين للمذهب البروتستانتي ,

شكرا على المجهودات الجبارة موقع جميل
RépondreSupprimerسوف نعمل ما في جهدنا من اجل الطالب
Supprimer